ابن إياس
67
نزهة الامم في العجائب والحكم
وعن يزيد بن أبي حبيب أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه سأل عنه كعب الأحبار [ ق 52 أ ] هل تجد لهذا النيل في كتاب الله خبرا . قال : أي والذي فلق البحر لموسي إني لأجده في كتاب الله ، أن الله يوحي إليه في كل عام مرتين ، يوحي إليه عند جرينه أن الله يأمرك أن تجرى فيجرى ما كتب الله له ثم يوحى إليه بعد ذلك يانيل عن حميدا . وعن كعب الأحبار أنه قال : أربعة أنهار من الجنة وضعها الله تعالى في الدنيا ، فالنيل نهر العسل في الجنة ، والفرات نهر الخمر في الجنة وسيحان نهر الماء في الجنة وحيحان نهر اللبن في الجنة . وقال المسعودي : نهر النيل من سادات الأنهار وأشراف البحار لأنه يخرج من الجنة على ما ورد به خبر الشريعة ، وقد قالت الحكماء : أن النيل إذا زاد غاصت له الأنهار الدنيا والأعين والأبار وإذا زاد فزيادته من غيضها وغيضة من زيادتها ، وليس في أنهار نهرا يسمي بحرا غير نيل مصر لكبر واستبحاره . وقال ابن قتيبة « 1 » في كتاب غريب الحديث وفي حديثه عليه السلام نهران مؤمنان ونهران كافران . أما المؤمنات فالنيل والفرات . وأما الكافران [ ق 52 ب ] فدجلة ونهر بلخ . إنما جعل النيل والفرات مؤمنين أنهما يفيضان علي الأرض ويسقيان الحرث والشجر بلا تعب في ذلك ولا مؤنة . وجعل دجلة ونهر بلخ كافرين لأنهما لا يفيضان علي الأرض ولا يسقيان شيئا إلا قليلا . وذلك القليل لا يأتي إلا بموته وكلفه ، فلما اتصفا هذان بالخير والنفع كانا كالمؤمنين في الانقياد لأوامر اللع تعالى والتصديق بها ، ولما اتصفا هذان بقلة الخير والنفع كانا كالكافرين في العناد وعدم الانقياد تشبيها مجازيا . * * *
--> ( 1 ) هو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري ، وقيل المروزي النحوي اللغوي ، صاحب كتاب المعارف وأدب الكاتب ، كان فاضلا ثقة ، سكن بغداد وحدث بها عن إسحاق بن راهويه وأبى حاتم السجستاني ، ولد سنة 213 ه مات سنة 271 ه وقيل سمة 277 ه .